المصدر أهل مصر تواجه منظومة الصحة تحديًا متزايدًا يتمثل في ارتفاع تكلفة الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة، في ظل تأثر فاتورة الاستيراد بتقلبات أسعار الصرف، وتكاليف الشحن والتأمين، وأسعار المواد الخام عالميًا. وتنعكس هذه الضغوط على تكلفة توفير العلاج، واستدامة تمويل الخدمات الصحية، وقدرة المؤسسات الطبية على الحفاظ على مخزون كافٍ من المستحضرات والأدوات الضرورية. لا يقتصر التعامل مع هذه الأزمة على البحث عن بدائل أقل تكلفة، بل يتطلب تحركًا متكاملًا يجمع بين تأمين احتياجات السوق، وتوطين صناعة الدواء والمستلزمات الطبية، وتحسين إدارة المشتريات والمخزون، وتطوير آليات التسعير والتمويل، بما يضمن استمرار إتاحة العلاج للمرضى دون تحميلهم أعباء إضافية غير مبررة. وتشير بيانات حكومية منشورة في مارس 2026 إلى أن وزارة الصحة شددت على متابعة المخزون الاستراتيجي من الأدوية والمستلزمات الطبية بصورة يومية، مع تشكيل لجنة دائمة لمراقبة توافر الإمدادات والتدخل عند ظهور أي تحديات. كما أعلنت هيئة الدواء المصرية آنذاك استيراد نحو 55% من احتياجات المواد الخام الدوائية لعام 2026، في إطار متابعة تأمين احتياجات الإنتاج. تواجه منظومة الصحة أزمة تكلفة الدواء والمستلزمات المستوردة من خلال مزيج من إدارة المخزون وتنظيم التسعير، وتحسين المشتريات والتمويل، وتوسيع التصنيع المحلي، غير أن استدامة هذه المعالجة تتطلب عدم الاكتفاء بتأمين الشحنات أو معالجة ارتفاع الأسعار بصورة مؤقتة، بل تقليل الاعتماد على الخامات المستوردة تدريجيًا، وتعزيز كفاءة الإنفاق الصحي، وضمان استمرار توافر الأدوية والمستلزمات بالجودة المطلوبة. تسعير الدواء يمثل تسعير الأدوية أحد أكثر الملفات حساسية في إدارة تكلفة الرعاية الصحية، إذ تواجه الشركات المنتجة ضغوطًا ناتجة عن ارتفاع تكلفة المواد الخام المستوردة وتغيرات سعر الصرف، بينما تسعى الجهات التنظيمية إلى الحفاظ على قدرة المواطنين على الحصول على العلاج بأسعار مناسبة. وفي هذا الإطار، شهدت مصر تطورًا في قواعد تسعير المستحضرات الدوائية خلال سبتمبر 2026، مع اعتماد إطار يربط مراجعة الأسعار بمزيج من تغيرات سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة، وفقًا لما نشرته تقارير اقتصادية عن القواعد الجديدة. ويستهدف هذا التوجه جعل مراجعة الأسعار أكثر ارتباطًا بالتغيرات الاقتصادية وتكاليف الإنتاج، بدلًا من الاعتماد حصريًا على المراجعات الاستثنائية بعد تفاقم الضغوط. لكن تطبيق أي آلية مرنة للتسعير يظل بحاجة إلى ضوابط تضمن عدم انتقال الزيادات في التكلفة بصورة تلقائية وكاملة إلى المريض، مع إخضاع طلبات تعديل الأسعار للمراجعة التنظيمية، والتحقق من عناصر التكلفة الفعلية، ومراعاة توافر البدائل العلاجية ومستوى المنافسة. ويبرز هنا دور هيئة الدواء المصرية في تحقيق التوازن بين استمرارية الإنتاج، ومنع النقص في المستحضرات الضرورية، وحماية المستهلك من الزيادات غير المبررة، مع تعزيز الشفافية في القواعد التي تحكم التسعير وإعادة المراجعة. توطين الصناعة.. الحل طويل الأجل لتقليل فاتورة الاستيراد يُعد توطين صناعة الأدوية والمستلزمات الطبية أحد المسارات الرئيسية لتقليل تعرض المنظومة الصحية لتقلبات أسعار الصرف واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. ورغم أن المصانع المصرية توفر نحو 91% من الأدوية المتداولة محليًا، فإن الاعتماد على الخامات والمواد الفعالة المستوردة يحد من قدرة الإنتاج المحلي على تحقيق الاستقلال الكامل عن الأسواق الخارجية. ولذلك، تتجه خطط التوطين إلى التوسع في تصنيع المواد الفعالة الدوائية، وليس الاكتفاء بإنتاج المستحضر النهائي داخل المصانع المصرية. ويمكن أن تسهم المشتريات الموحدة في تجميع الطلب الحكومي، وتحسين القدرة التفاوضية مع الموردين، والحصول على أسعار أكثر تنافسية، وتقليل التكاليف الإدارية واللوجستية. ويتطلب ذلك إعداد توقعات دقيقة للاحتياجات، وتوحيد المواصفات الفنية حيثما أمكن، ومراعاة التكلفة الإجمالية للمنتج طوال دورة استخدامه، وليس سعر الشراء وحده. كذلك، فإن ربط قواعد بيانات المستشفيات والمخازن بالجهات المسؤولة عن الشراء والتوريد يساعد على تحديد المنتجات الأكثر استهلاكًا، ورصد النقص مبكرًا، وإعادة توزيع المخزون بين المنشآت الصحية قبل اللجوء إلى عمليات شراء عاجلة مرتفعة التكلفة. وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية في ضوء تأكيد وزارة الصحة، في مارس 2026، ضرورة المتابعة اليومية للمخزون الاستراتيجي والتنسيق بين الجهات المعنية لضمان استمرار توافر الأدوية والخامات والمستلزمات الطبية.