هشام الدكيك.. مهندس هيمنة المغرب على الفوتسال الإفريقي

المنتخب 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

• اللقب الرابع يكرّس زعامة «المايسترو» ويحوّل الإنجاز إلى مشروع ريادة قارية

لم يعد هشام الدكيك مجرد مدرب يقود منتخباً وطنياً نحو الألقاب، بل أصبح اسماً تختصر معه حكاية التحول الكبير الذي عرفته كرة القدم داخل القاعة بالمغرب، وكيف انتقلت من البحث عن موطئ قدم في خريطة التنافس الإفريقي إلى فرض نفسها قوةً يصعب تجاوزها، وصاحبة مشروع واضح المعالم والطموحات.

بالتتويج الرابع بكأس إفريقيا للأمم لكرة القدم داخل القاعة، يضيف الدكيك فصلاً جديداً إلى مسيرته، ويؤكد أن ما يحققه المنتخب المغربي ليس وليد لحظة عابرة، ولا ثمرة جيل استثنائي ظهر ثم اختفى، وإنما حصيلة عمل متراكم، ورؤية تقنية متجددة، وشخصية تنافسية باتت إحدى العلامات الفارقة في الفوتسال الإفريقي.

• رجل المشروع لا مدرب الألقاب فقط

تكمن قيمة هشام الدكيك في أنه لم يتعامل مع المنتخب المغربي باعتباره مجموعة لاعبين يجري إعدادهم لمباراة أو بطولة، بل باعتباره مشروعاً متكاملاً، يحتاج إلى هوية فنية، وشخصية جماعية، واستمرارية في الأداء، وقدرة على تطوير التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المستويات العليا.

منذ أن ارتبط اسمه بقيادة المنتخب، اشتغل الدكيك على بناء فريق يعرف ماذا يريد بالكرة ومن دونها، ويتحكم في إيقاع اللعب، ويجيد الانتقال من الاستحواذ إلى صناعة الفرص، كما يمتلك القدرة على الضغط واستعادة الكرة وتضييق المساحات أمام المنافسين.

ولم تكن هذه الهوية مجرد رسم تكتيكي جامد، بل منظومة تتطور بحسب طبيعة الخصم ومتطلبات كل مباراة. ففي كرة القدم داخل القاعة، حيث تتسارع التحولات وتضيق المساحات وتصبح الأخطاء الصغيرة مكلفة، لا يكفي امتلاك لاعبين موهوبين، بل يتعين أن تتوافر لديهم سرعة القرار، ودقة التنفيذ، والانسجام في التحرك، والقدرة على قراءة لحظة اللعب.

هنا تحديداً تتجلى بصمة الدكيك، الذي جعل من الانضباط التكتيكي رفيقاً للمهارة المغربية، ومن الثقة الجماعية سلاحاً لمواجهة مختلف المدارس.

• من كسر الاحتكار إلى صناعة الاستمرارية

حين تُوّج المغرب لأول مرة بكأس إفريقيا سنة 2016، لم يكن الأمر مجرد انتصار على مصر في النهائي بنتيجة 3-2، بل كان إعلاناً عن ميلاد قوة جديدة في القارة. وبعدها، عاد المنتخب المغربي ليؤكد تفوقه بالتتويج في نسخ 2020 و2024 و2026 محققاً أربعة ألقاب قارية، لم يحققها قبله أي مدرب.

في كل محطة، كان الدكيك يبرهن على أن النجاح لا يعني الاكتفاء بما تحقق، بل تحويل الانتصار إلى نقطة انطلاق جديدة. لم يسمح للمنتخب بأن يعيش على أمجاد الماضي، ولم يجعل من الألقاب سبباً للتراخي، بل ظل يبحث عن تطوير الأداء، وتجديد الحلول، وتعزيز قدرة المجموعة على التعامل مع الضغوط.

ولعل أبرز ما يميز تجربته هو قدرته على الحفاظ على روح المجموعة، رغم تغير الأجيال وتبدل الأسماء. فهناك لاعبون راكموا الخبرة وأصبحوا ركائز للمشروع، وهناك عناصر جديدة وجدت طريقها إلى المنتخب، في إطار توازن يمنح الفريق شخصية ثابتة من دون أن يسلبه القدرة على التجدد.

إنه عمل يتجاوز حدود الرقعة، لأن صناعة منتخب قادر على الهيمنة قارياً تتطلب أيضاً ثقافة احترافية، واستعداداً ذهنياً، وإيماناً جماعياً بأن القميص الوطني يفرض سقفاً عالياً من المسؤولية.

• من إفريقيا إلى العالم.. طموح لا تحدّه الحدود

لم تتوقف طموحات الدكيك عند حدود القارة. فالمغرب، تحت قيادته، رسّخ حضوره في كأس العالم لكرة القدم داخل القاعة، وبلغ ربع النهائي في نسختي 2021 و2024، ليؤكد أن الفوتسال المغربي لم يعد مشروعاً قارياً فحسب، بل أصبح يبحث عن مكان ثابت بين كبار اللعبة عالمياً.

هذه النقلة النوعية لم تكن لتتحقق لولا تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العمل التقني للدكيك، وتطور البنية التحتية، والاهتمام المتزايد باللعبة، وتوفير ظروف إعداد تسمح للاعبين بالتطور والاحتكاك بمدارس مختلفة. لذلك، فإن نجاح المدرب لا يُقاس بعدد الكؤوس التي يرفعها فحسب، بل أيضاً بما يتركه من أثر في ثقافة اللعبة، وبما يضعه من أسس تضمن استمرارها بعده.

ومع كل لقب جديد، تتسع مسؤولية الدكيك، لأن المحافظة على القمة أصعب من بلوغها، ولأن المنافسين لا يقفون مكتوفي الأيدي أمام منتخب يفرض نفسه بهذه القوة. غير أن امتلاك هوية واضحة، ومجموعة متجانسة، وتجربة متراكمة في المواعيد الكبرى، يمنح المغرب أدوات مهمة لمواصلة رحلة التفوق.

• اللقب الرابع.. تتويج للمدرب والمنظومة

إن التتويج الرابع بكأس إفريقيا للأمم، في قلب المغرب وأمام الجماهير المغربية، يضع هشام الدكيك أمام لحظة جديدة من الاعتراف بمساره، لكنه في الوقت ذاته يعيد طرح السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل هذه الهيمنة إلى مشروع مستدام، يضمن للمغرب الاستمرار في القمة الإفريقية، ويقربه أكثر من طموحه العالمي؟

ذلك أن قيمة الإنجاز لا تكمن في إضافة نجمة إلى سجل الألقاب فقط، بل في تكريس مدرسة مغربية لها ملامحها، وتستطيع أن تنتج لاعبين قادرين على الجمع بين المهارة والسرعة والانضباط، وأن تجعل من المنتخب الوطني مرجعاً تستلهم منه بقية المنتخبات.

البروفيسور هشام الدكيك، ابن كرة القدم داخل القاعة الذي صنعته التجربة الميدانية وصقلته المنافسة، أصبح اليوم أحد أبرز وجوه النهضة المغربية في هذه اللعبة. وبين لقب وآخر، يواصل كتابة حكايته مع منتخب لا يكتفي بأن يكون الأفضل في إفريقيا، بل يتطلع إلى أن يجعل من حضوره العالمي حقيقة راسخة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق