تواجه الأسواق المصرية ضغوطاً متزايدة مع تراجع الجنيه أمام الدولار بنحو 2 في المائة خلال أسبوع، مسجلاً أدنى مستوى له خلال خمسة أشهر، فيما اقترب سعر العملة الأميركية من حاجز 55 جنيهاً، وسط تحذيرات اقتصادية من انعكاسات استمرار الاضطرابات الإقليمية على تكاليف الإنتاج وأسعار السلع.
وسجل الدولار، الثلاثاء، ارتفاعاً جديداً أمام الجنيه المصري، ليصل إلى 54 جنيهاً و50 قرشاً في بعض البنوك، مدفوعاً بصعود العملة الأميركية عالمياً وخروج الأموال الساخنة من أدوات الدين المصرية. وامتدت آثار التحركات النقدية إلى الأسواق، مع تسجيل زيادات في أسعار سلع أساسية، من بينها الزيت والمعكرونة والأرز والفول والدقيق والبيض واللحوم والدواجن، وفق بيانات بوابة أسعار السلع المحلية والعالمية التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء.
ويأتي تراجع الجنيه رغم تسجيل صافي الاحتياطات الأجنبية المصرية مستوى قياسياً بلغ 57.35 مليار دولار في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى جانب ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي إلى نحو 33.9 مليار دولار، وهو مستوى قياسي للتدفقات خلال تلك الفترة.
وتتزايد المخاوف من انتقال ضغوط سعر الصرف إلى قطاعات واسعة، في وقت تواجه فيه الأسر المصرية ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما يحذر اقتصاديون من أن استمرار الصراعات الإقليمية واضطراب سلاسل الإمداد قد يفاقمان الضغوط على العملة والأسعار.
الهواتف والسيارات والأجهزة الكهربائية تحت ضغط الدولار
لم تعد تحركات سعر الصرف مقتصرة على أسواق العملات، بل بدأت تنعكس على أسعار المنتجات الاستهلاكية والمعمرة. وفي هذا السياق، قال رئيس شعبة المحمول والاتصالات بالغرفة التجارية في القاهرة، محمد طلعت، إن ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة يرتبط بعدة عوامل، أبرزها صعود الدولار أمام الجنيه، وارتفاع أسعار مكونات الهواتف المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تشهد طفرة عالمية في الأسعار، إلى جانب ارتفاع تكاليف عناصر الإنتاج الأخرى.
وأوضح طلعت، في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط، أن هذه التطورات دفعت الشركات إلى الإعلان عن قوائم أسعار جديدة للهواتف كل أسبوعين تقريباً، لافتاً إلى أن الشركات كانت لا تزال تعتمد أسعاراً محسوبة وفق مستويات سابقة لسعر صرف الجنيه، قبل أن تبدأ إعادة تسعير منتجاتها استناداً إلى الأسعار الجديدة المعلنة من البنوك المصرية.
وأشار إلى أن الهواتف المصنعة محلياً لن تكون بمنأى عن الزيادات، لاعتماد إنتاجها على مدخلات مستوردة من الخارج. وتوقع أن تشهد الأجهزة الكهربائية ارتفاعات مماثلة إذا استمر تراجع الجنيه، لكنه أكد أنها لم تسجل حتى الآن زيادات كبيرة مماثلة لما حدث في سوق الهواتف المحمولة.
وفي قطاع الأجهزة الكهربائية، كشف رئيس الشعبة باتحاد الغرف التجارية، جورج زكريا، في تصريحات لصحف محلية قبل أيام، عن تراجع مبيعات القطاع في مصر بأكثر من 60 في المائة منذ النصف الثاني من أغسطس (آب) الماضي. وعزا ذلك إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الأعباء المعيشية، وما نتج عنهما من تراجع في حركة الشراء ودخول السوق في حالة ركود.
وامتدت الزيادات إلى سوق السيارات أيضاً، إذ أعلنت رابطة تجار السيارات في مصر ارتفاع الأسعار بنسب تتراوح بين 5 و10 في المائة منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، نتيجة تحركات سعر الدولار وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري، بالتزامن مع عودة ظاهرة الأوفر برايس إلى قطاع واسع من العلامات التجارية.
اضطرابات المنطقة وسلاسل الإمداد تزيد الضغوط
وترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة سمر عادل أن الأسواق المصرية والعالمية تواجه حالة من الاضطراب بسبب تصاعد الصراعات والأزمات التي تعترض سلاسل الإمداد، خصوصاً في البحر الأحمر.
وقالت عادل للشرق الأوسط إن التداعيات التي تواجهها الأسواق المصرية حالياً بدأت منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية قبل أربع سنوات، محذرة من أن استمرار التوترات قد يؤدي إلى مزيد من تراجع الجنيه أمام الدولار، وما يصاحبه من ارتفاع في الأسعار نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج المستورد.
وشددت على أهمية تكثيف الرقابة الحكومية على الأسواق في هذه المرحلة، في ظل اتجاه التجار إلى رفع الأسعار، مع ضرورة ضبط الزيادات بما لا يفاقم الأعباء على المواطنين. كما دعت إلى تبني خطط ترويجية للسياحة بهدف جذب العملة الصعبة وتلبية الاحتياجات المحلية.
وعلى المستوى العالمي، توقع تقرير أعدته وكالة رويترز تسارع تضخم أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة واستمرار الضغوط حتى عام 2027، في ظل اضطرابات حركة الشحن المرتبطة بالحرب، وارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة، إلى جانب المخاوف من تراجع الإنتاج الزراعي بفعل ظاهرة إل نينيو المناخية.
تثبيت الوقود ينعش آمال تهدئة الأسعار
وفي محاولة للتخفيف من الضغوط المعيشية، أنعش قرار الحكومة المصرية تثبيت أسعار الوقود، الأسبوع الماضي، آمال المواطنين في استقرار الأسواق. وقررت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، خلال اجتماعها الخميس الماضي، الإبقاء على الأسعار دون تغيير، عقب مراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي.
كما تواصل الحكومة ضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار مخفضة عبر المنافذ الرسمية، ضمن مبادرة بدأت في سبتمبر الماضي، ومن المقرر أن تستمر حتى مارس (آذار) 2027، بحسب بيان لوزارة التموين.
في المقابل، قللت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي من حجم التأثير المتوقع لتراجع الجنيه، معتبرة أن الانخفاض ليس كبيراً، ولن تكون له انعكاسات واسعة على الأسواق.
وأوضحت الدماطي، في تصريح للشرق الأوسط، أن التوترات الجيوسياسية في مناطق مختلفة من العالم تؤثر على اقتصادات دول عديدة، بينها مصر، لا سيما في ظل التطورات الحالية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأضافت أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن فرص تهدئة الصراعات في المنطقة، وانعكاس ذلك على أسعار النفط العالمية، يؤثر على العملة المحلية، مشيرة إلى صعوبة التنبؤ بمسار الجنيه أمام الدولار في ظل هذه الظروف.
صندوق النقد يتوقع استمرار ارتفاع الدولار
وتتزامن هذه التطورات مع تعديل صندوق النقد الدولي توقعاته لمتوسط سعر الدولار مقابل الجنيه المصري بالزيادة خلال الأعوام المالية المقبلة، وفق المستويات التالية:
- 2027 - 2028: 55.96 جنيه للدولار.
- 2028 - 2029: 57.02 جنيه للدولار.
- 2029 - 2030: 57.76 جنيه للدولار.
- 2030 - 2031: 58.51 جنيه للدولار.
وتضع هذه التوقعات، إلى جانب استمرار الضغوط الجيوسياسية واضطرابات التجارة والشحن، مسار الجنيه وأسعار السلع في مصر أمام تحديات ممتدة، بينما تتباين تقديرات الخبراء بشأن حجم تأثير التراجع الأخير على الأسواق خلال الفترة المقبلة.








0 تعليق