خالد محمود يكتب: «لن تدخل الجنة إن قتلتك امرأة».. حين تروي أنقاض الموصل حكاية الحرب

بوابة الشروق 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في فيلمه «لا جنة لمن تقتله امرأة» الذي يعرض على شاشة مهرجان الجونة، يختار المخرج الكردي النرويجي هلكوت مصطفى الاقتراب من واحدة من أكثر المراحل قسوة في التاريخ العراقي الحديث، مستعيدا أجواء الحرب على تنظيم داعش، من خلال حكاية امرأة كردية تتحول حياتها إلى مواجهة مفتوحة مع الماضي، بعدما ظنت أنها فقدت شقيقتها الصغرى إلى الأبد عام ٢٠١٤.

تدور الأحداث حول "فيان"، وهي قناصة كردية من قوات البيشمركة، تعلمت خلال سنوات الحرب أن تتعامل مع مشاعرها بالقسوة والصمت، وكأن إغلاق أبواب الذاكرة هو السبيل الوحيد لمواصلة الحياة. لكن هذا التوازن الهش يتعرض للاهتزاز عندما تعلم أن شقيقتها الصغرى، التي اعتقدت أنها فقدت خلال هجوم تنظيم داعش على الموصل عام 2014، ربما لا تزال على قيد الحياة.

تدفعها هذه المعلومة إلى العودة إلى الموصل، المدينة التي تحمل آثار الموت والدمار، في مهمة لإنقاذ شقيقتها، لكنها تجد نفسها أيضا في مواجهة التجربة التي حاولت طويلا الهروب من ذكرياتها. وهكذا تتداخل رحلة الإنقاذ مع رحلة أخرى داخل الذات، تستعيد خلالها البطلة جراح الماضي، وتواجه ما تركته الحرب من آثار في شخصيتها ومشاعرها.

من هذه الحكاية ينطلق الفيلم لبناء عالمه الدرامي، حيث لا تبدو الحرب مجرد خلفية للأحداث، بل قوة أعادت تشكيل حياة البطلة، ودفعتها إلى إخماد مشاعرها حتى تتمكن من الاستمرار. ويصبح البحث عن الشقيقة المفقودة أكثر من مجرد مهمة محفوفة بالمخاطر ، إنه محاولة لاستعادة جزء من حياة انتزعتها الحرب، ومواجهة ماض لم تنجح البطلة في تجاوزه.

يمثل التصوير في الموصل أحد أبرز عناصر قوة الفيلم، إذ يمنح الأحداث صدقا بصريا وإنسانيا، ويضع الشخصيات داخل فضاء يحمل آثار ما جرى، بدلاً من الاكتفاء بصناعة عالم بديل داخل مواقع تصوير مصطنعة.

فالمدينة ليست مجرد خلفية تتحرك الشخصيات أمامها، وإنما شاهد على المأساة التي يستعيدها الفيلم. وتمنح آثار الدمار الصورة دلالة تتجاوز وظيفتها التوضيحية، لتربط الحكاية الفردية بذاكرة جماعية لا تزال جراحها حاضرة.

وفي هذا السياق، ينجح هلكوت مصطفى في توظيف المكان باعتباره عنصراً من عناصر السرد، فالموصل التي تعود إليها فيان ليست المدينة نفسها التي عرفتها قبل الحرب، وإنما مساحة مثقلة بالفقد، تفرض على البطلة مواجهة ما جرى، وتعيد وصل مصيرها الشخصي بمصير المكان.

وتكمن أهمية هذه المعالجة في أن آثار الحرب لا تظهر بوصفها مشهدا عابرا، بل جزءا من التجربة الإنسانية التي يحاول الفيلم التعبير عنها. ومن هنا، يكتسب التصوير في المدينة قيمة تتجاوز الواقعية البصرية، ليصبح أحد مصادر الصدق في الحكاية.

يمنح الفيلم الذي عرض شخصيته الرئيسية موقعا مختلفا في سينما الحرب، فالمرأة هنا ليست مجرد ضحية تنتظر النجاة، بل مقاتلة تمتلك القدرة على المواجهة واتخاذ القرار. غير أن ما يمنح شخصية فيان أهميتها لا يرتبط فقط بمهاراتها القتالية، وإنما بالتناقض بين صلابتها في مواجهة الآخرين، والجراح التي تحاول إخفاءها في داخلها.

هذا التناقض يفتح المجال لقراءة الشخصية باعتبارها إنسانة تحاول النجاة من آثار تجربة قاسية، لا مجرد بطلة تتحرك بين المواجهات. فإغلاق المشاعر الذي تلجأ إليه فيان ليس دليلا على غياب الألم، وإنما محاولة للتعايش معه، إلى أن تعيد احتمالات إنقاذ شقيقتها فتح الجرح القديم.

ومن هذه الزاوية، تتجاوز الحكاية فكرة المرأة القادرة على حمل السلاح إلى سؤال أكثر تعقيدا: ماذا تفعل الحرب بالإنسان، حتى بعد أن ينجو من الموت؟ وكيف يمكن لمن اعتاد مواجهة الخطر أن يتعامل مع خساراته الشخصية، حين يجد نفسه مضطراً إلى استعادة ما حاول نسيانه؟

تقدم الممثلة أفان جمال أداءً محورياً في دور "فيان" ، القناصة الكردية التي تحاول إخفاء جراحها خلف صلابة المقاتلة. وتكمن صعوبة الشخصية في التناقض بين قدرتها على مواجهة الخطر، وصعوبة التعامل مع آثار الماضي، وهو ما يجعل الدور يتجاوز متطلبات الحركة والمواجهات المسلحة إلى التعبير عن إنسانة تحاول احتواء آلامها ومواصلة حياتها.

ويكتسب الأداء أهميته من طبيعة الحكاية التي تجمع بين مهمة إنقاذ الشقيقة المفقودة ومواجهة الصدمات التي تركتها الحرب في نفس البطلة. فالتحدي لا يكمن فقط في إقناع المشاهد بقدرة المقاتلة على المواجهة، بل في جعله يشعر أيضا بالإنسانة التي تقف خلف السلاح، وبما تحمله من خوف وفقد ورغبة في استعادة ما سلبته الحرب منها.

ومع اعتماد الفيلم على الإثارة، تظل المساحة المتاحة للتعبير عن التحولات النفسية للشخصية معياراً مهما في تقييم الأداء. فكلما نجح التمثيل في الكشف عن الجانب الإنساني المختبئ خلف الصلابة، ازدادت الشخصية عمقاً، وتجاوزت حدود البطولة القائمة على الفعل والمواجهة.

يعتمد الفيلم بصورة أساسية على الإثارة والتشويق، مستفيداً من طبيعة الحكاية التي تجمع بين مهمة الإنقاذ ومواجهة الماضي، ومن وجود البطلة داخل مدينة تحمل مخاطرها الخاصة وذاكرتها الثقيلة. ويمنح هذا الاختيار العمل إيقاعاً مشدوداً، ويبقي المشاهد في حالة ترقب لمصير الشخصية وما ينتظرها خلال رحلتها.

غير أن هذا الاعتماد الواضح على الإثارة يمثل، في الوقت نفسه، أحد حدود المعالجة الدرامية. فالحكاية تحمل إمكانات إنسانية ونفسية واسعة، وكان من الممكن منحها مساحة أكبر للتعمق في التحولات الداخلية للبطلة، وفي العلاقة بين العنف الذي تواجهه والعنف الذي يترك أثره داخلها.

فالفارق كبير بين تقديم شخصية تجيد القتال، وتقديم شخصية تكشف لنا الحرب عن تناقضاتها ومخاوفها وضعفها الإنساني. وكلما اتسعت مساحة التأمل في هذه الجوانب، أصبحت المواجهات أكثر دلالة، ولم تعد الإثارة غاية في ذاتها، بل وسيلة للكشف عن أبعاد التجربة.

ولا يعني ذلك أن اعتماد الفيلم على التشويق ينتقص من قيمته، أو أن اختياره هذا المسار يتعارض مع طبيعة موضوعه، وإنما يتعلق الأمر بمدى قدرة السرد على تحقيق التوازن بين جذب المشاهد ومنحه فرصة للتعمق في التجربة الإنسانية التي تقف وراء الأحداث.

تنبع أهمية «لا جنة لمن تقتله امرأة» من الجمع بين حكاية شخصية عن الفقد والبحث عن الأخت، وسياق تاريخي أوسع يستعيد آثار هجوم تنظيم داعش والدمار الذي أصاب الموصل. ويمنح هذا التداخل الفيلم بعدا إنسانياً، لأن الحرب لا تظهر فقط باعتبارها معركة بين أطراف متصارعة، وإنما تجربة تمتد آثارها إلى العلاقات العائلية والذاكرة والقدرة على استعادة الحياة.

كما أن اختيار المخرج التصوير في الموصل يضيف إلى الحكاية صدقا بصريا واضحا، ويجعل المكان شريكاً في التعبير عن المأساة، بينما تمنح الشخصية الرئيسية العمل زاوية مختلفة لتناول الحرب، من خلال امرأة تحاول إنقاذ شقيقتها ومواجهة ماضيها في الوقت نفسه.

لكن الفيلم، رغم نجاحه في جذب المشاهد عبر التشويق، كان يمكن أن يذهب أبعد في استكشاف الأبعاد النفسية والإنسانية لشخصيته الرئيسية. فالموضوع لا يحتمل فقط حكاية عن القتال والنجاة، بل يفتح الباب أمام تأمل أعمق في الثمن الذي يدفعه الإنسان حين تصبح الحرب جزءا من تكوينه.

في النهاية، يقدم المخرج هلكوت مصطفى فيلماً يستحق الاهتمام بموضوعه ومكانه وشخصيته النسائية، وينجح في استعادة جانب من مرحلة مهمة في التاريخ العراقي من خلال حكاية شخصية واضحة الدوافع، وصورة تستمد صدقها من المكان الحقيقي.. وبين قوة الصورة وفاعلية الإثارة، والموسيقى المؤثرة ينجح العمل في جذب المشاهد إلى عالمه، وإن كان يترك مساحة لمزيد من التعمق في جراح الحرب وآثارها النفسية والإنسانية، وهي آثار لا تنتهي بالضرورة بانتهاء المعارك.

أخبار ذات صلة

0 تعليق